
توظيف الحواس في تشكيل الصورة في الشعر الموجه للأطفال
- الشعر الجزائري للأطفال عينة -–
أ.د. العيد جلولي
يتصل الطفل ببيئته ومحيطه باستخدام حواسه ، فيتعرف على الأشياء باللمس، وعلى الأشكال والألوان بالرؤية ، وعلى الأصوات المختلفة بالسمع، وعلى الروائح بالشم وعلى الأذواق المختلفة بالتذوق ، ولا يمكن الوصول إلى هذا المتلقي والتأثير فيه إلا عن طريق ملامسة حواسه، لهذا يعمد شعراء الطفولة إلى استثمار طاقاته الحسية فيشكلون الصورة الشعرية معتمدين على حواس الطفل.
تتكون الصورة الشعرية في الشعر الموجه للأطفال من جملة من العناصر، هذه العناصر هي التي تجعل هذه الصورة قريبة من المتلقي الصغير، فهو في كل مراحل نموه خصوصا في المراحل الأولى ينجذب نحو الصورة التي تمور بالألوان، وتموج بالحركة وتدب فيها الحياة، وتكشف عن مكاتم الوجود وأسرار الحياة وبهذه العناصر تنطق الطبيعة وتهمس مظاهرها موشوشة، وفي وشوشتها السحر كل السحر(01).
وهذه العناصر المكونة للصورة هي :
أ- اللون :يعد اللون من الوسائل الفنية المساعدة على عملية الاتصال فاللون يوضح المعنى ويقربه للطفل ، كما يشكل حافزا يلفت انتباه الطفل ويثير اهتمامه ويحبب إليه الصورة المرسومة بالكلمات.
وتزخر الألوان بالدلالات والإيحاءات والقيم التعبيرية لهذا يستثمرها الشاعر في تشكيل الصورة ويستعين بها في الوصول إلى هذا المتلقي الخاص ، يستعين بالحمرة –مثلا- للدلالة على الخطر والخضرة للدلالة على الأمان والسلامة وهكذا لأن " الصورة الأدبية لا تخلو من اللون فيها من احمر وأخضر وأبيض وغيرها من الألوان المركزة والخفيفة أو من لون نتج من نوعين مركزين فنبع منهما لون آخر يحمل عناصرهما معا، وليست هذه المقصودة عندي من الألوان فحسب ، بل أضيف إليها كذلك ما توحي به بعض هذه الألفاظ من الرموز تدل على لون ، أو معنى فيه شبه اللون" (02).
ولم يعد استخدام اللون في الأدب الموجه للأطفال عموما وفي الشعر الموجه لهم خصوصا مجرد عملية ارتجالية تخضع لهوى المبدع فقط، وإنما أصبح عملية فنية حساسة تخضع لتقنيات الفن التشكيلي ونظريات علم النفس والتربية ، فالشاعر وهو يقوم بعملية تشكيل الصورة اللونية إنما " يؤسس لجدلية التلقي البصري من خلال اللغة ويؤكد من خلال الألوان على أهمية ارتباط اللون بالموسيقى الشعرية ، حيث الانطباع الذي تخلقه الألوان في النهاية هو انطباع موسيقي، وبذلك يكون استخدام اللون بهذا الشكل مغامرة تجريدية للولوج في تفاصيل الموجودات والواقع"(03) .
والمتأمل في الشعر الموجه للأطفال خصوصا عند كبار شعرائه – يلحظ تركيز هؤلاء على خطاب الصورة اللونية الأمر الذي أدى إلى خلق وظائف تواصلية إبلاغية بين النظام اللساني ممثلا في اللغة والنظام غير اللساني ممثلا في الصورة البصرية " من هنا تكمن أهمية التأكيد على علاقة اللفظي بالبصري ، وحول إمكانية قراءة الأعمال الشعرية التي تستخدم اللون قراءة بصرية وأن الموضوع في النهاية قد يكون واحدا، لكن الخلاف في الأدوات فأدوات الفنان في رسم الشجرة – مثلا- هي : الخط- اللون- الضوء، وأدوات الشاعر في وصفها هي المجاز – الاستعارة "(04) .
وتشكل الصورة اللونية ظاهرة فنية عند أصحاب الاتجاه التربوي الجديد وهو ما يشكل تطورا ملحوظا في أدب الطفل الجزائري لأن استثمار اللون وتوظيفه في تشكيل الصورة الشعرية مرتبط بالنظريات الفنية والنفسية وحتى التربوية التي تؤكد أهمية اللون في الكتابة للأطفال .
فمن الناحية الفنية تؤكد نظرية القراءة أن الشاعر يلون قصيدته كما يلون الرسام لوحته غير أن الشاعر لا يملك الريشة والأصباغ وإنما يملك اللغة وبواسطتها يلون نصه بما شاء من الأصباغ، وأما من الناحية النفسية والتربوية فإن النظريات في هذين الحقلين تؤكد أهمية اللون في هذا المجال فقد " ذهب بعض علماء النفس ، وخصوصا أولئك الذين ينحون منحى مدرسة التحليل النفسي ، إلى تأكيد أهمية الألوان في النفس ، خصوصا وأن هناك اتفاقا على أن الألوان تساعد في تقديم الأشكال بطريقة مؤثرة، نظرا لاتصال اللون بالحس ، خصوصا وأن الإدراك البصري يقوم على وقوع الموجات الضوئية على العين"(05).
وتبين من تجارب أخرى أن اللون الأحمر هو المفضل عند الأطفال يليه اللون الأصفر ثم الأزرق فالأخضر ، وينفعل الأطفال الذين تقع أعمارهم بين نهاية مرحلة الرضاعة وسن ما قبل المدرسة باللون الأحمر كثيرا، في حين يكون اللون الأصفر أقلها تفضيلا لديهم ، وحين يصل الأطفال إلى العمر المدرسي يصبح اللون الأزرق هو المفضل لدينهم أما الإدراك الدقيق للألوان وتميزها فربما لا يرتقي إلا بعد أن يتعلم الأطفال أسماء تلك الألوان وترتقي تسمية الألوان متأخرة مقارنة مع تسمية الأشياء والموضوعات الأخرى المألوفة لدى الأطفال ويكون اللون الأحمر أسرع الألوان في معرفة اسمه بشكل صحيح ثم يليه اللون الأزرق حيث يتعلمون اسمه بصورة مبكرة أيضا(06).
ويبرز التشكيل اللوني بقوة عند الشاعر بوزيد حرز الله ففي قصيدته "انقشاع الضباب " يوظف اللون توظيفا فنيا ساهم في تقريب دلالات النص إلى الطفل فيقول:
ستثمر غابة الزيتـو ن تزهر ضيعـة الزعـتر
فنجني الخير كل الخي ر في حقل الهوى الاخضر
يزول الهم عـن يافا فتنزع ثوبهــا الاحمـر
ويحـني المجد هـامه بفضل الساعد الاسـمر(07)
فالشاعر استعان باللون الأخضر في وصف الهوى وفي ذلك دلالة على الأمن والسكينة والهدوء وباللون الأحمر في وصف الثوب للدلالة على الدم وباللون الأسمر في وصف الساعد للدلالة عل العمل المثمر الجاد.
وفي قصيدة " انتماء " يقول :
عــربي في انتمـائي أبـدا
فليمت كل حقود كمـدا
أسمر الجبهـة زادي ملـتي
أحمل الضاد وأبغي السؤددا(08)
فهو يستخدم اللون الأسمر في وصف العربي ، حتى أصبح هذا اللون مرادفا للعربي.
وفي قصيدة " رايتي " يقول :
يا رفقـتي يا صحبتي هـلا رأيتم رايـتي
ألوانهــا ساحـرة كالطل فوق الوردة
من دم ليث قلبـها مشتعل كالجمـرة
فـدونكم جبينـها مبـدد للظلمـة
كالثلـج في بدلانا أنقى من البـراءة
نسيجهـا تفـاؤل خيوطه من روضتي
أخضـر ما أروعـه مبشــر بالجنـة (09).
فالشاعر وهو يصف العلم الوطني ، لم يستخدم اللون مباشرة ويسميه باسمه وإنما استخدم ألفاظا دالة على هذا اللون فلا يغيب عن خيال الطفل لون الدم، ولون الثلج، ولون الروضة، وهكذا حتى أصبحت هذه الألفاظ دالة على اللون مباشرة .
وممن استخدم اللون ووظفه في تشكيل صورة الشعرية خضر بدور ففي ديوانه " روضة الأناشيد للأطفال والفتيان " يقرب الصورة إلى ذهن المتلقي عن طريق تلوينها مما يضاعف عنصر التشويق والجاذبية.
ففي قصيدة " علمي " يقول :
علمي .. علمـي أبيض ..أخضر
بهـــــلال مع نجـم أحمر (10)
وفي قصيدة " كلب ليلى " يقول :
ليلـى تمــشي قـرب النهـر
وبجـانبـــها كلب يجـري
لـــونه أبيض حسن الشكل (11).
وفي قصيدة " لعبتي " يقول :
لها أشرعة بيضاء وبها أعلام خضراء
بها أجراس فضية وبها أضواء حمراء
لها قبطان مجهول بقيادتها مشغـول
يبقى فيها طول الوقت بملابسه البيضاء(12)
وفي قصيدة "قطتنا " يقول
قطتـنا ...يـا قطتـنا قطتـنا الحلـوة
بيضا... بيضا مثل الثلج أجمل قطة بالحارة (13)
وفي قصيدة " النحلة والزهرة " يقول :
النحلة فالت للزهرة أسعدت صباحا يا أختي
بجمالك زينت الدنيا لونت الأرض ..وعطرت
الأحمر لون وهـاج والأصفر ذهب رجـراج
والأزرق بحر مواج والأبيض ثلج مغنــاج (14)
وفي قصيدة " حديث زهرة " يقول :
أنا زهرة البستان بديعـــة الألوان
فمـرة تــراني وردية .. نديـــة
وتـارة تــراني حمراء ..قرمـــزية
مــرة تــراني صفراء ..مخمــلية(15)
وفي قصيدة : حكاية رفيق " يقول :
عــاد إليــنا ليــفي ديـــنا
حمـــل إليـنا كيسـا أخضــر
قـال خــذوه ذهـب أصفـــر
من مـيراث الجد د الأكـــــبر(16)
وهكذا شكلت الصور اللونية حيزا كبيرا في هذا الديوان ، الأمر الذي شكل ظاهرة فنية عند الشاعر ، فهو يضفي على الأشياء الحية والجامدة ألوانا زاهية أتاحت للطفل " أن يتوحد مع المواقف التي يحملها المضمون الإتصالي دون أن يشعر بأنه يتلقى مواعظ وتوجيهات وإرشادات ثقيلة أو معلومات جافة خصوصا وأن الطفل شديد النفرة من كل ما يقدم إليه على تلك الشاكلة"(17).
ويستعمل الشاعر مع الألفاظ بعض الصفات التجسيمية الملونة ويبتعد عن المدركات الكلية المجردة فهو يقول للطفل :" كلب لونه أبيض ، اللعبة لها أشرعة بيضاء وأعلام خضراء وأجراس فضية وأضواء حمراء ،قطتنا بيضاء مثل الثلج ن الأحمر لون وهاج، والأصفر ذهب رجراج ،و الأزرق بحر مواج والأبيض ثلج مغناج ..."
فالطفل خصوصا في مرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة يكون أقرب لنفسه وإدراكه أن نخاطبه بمثل هذا (18).
ويجعل بعض الشعراء من اللون مرتكزا فنيا فيدخلونه في عناوين دواوينهم وقصائدهم وهذا ما نجده عند الشاعر مصطفى محمد الغماري في ديوانه " الفرحة الخضراء " حيث يشكل اللون الأخضر ظاهرة فنية فيه ، وقد ورد في الأمثلة التالية :
- الفرحة الخضراء ( عنوان الديوان )
- ونحمل أعلامنا الخضر زهوا
- فيمتد أفق وتخضر بيد (19)
-أهـواك يا بهجـة يا حبـها العـذري
يخضـر كالموجــة في مقلـة الفجـر(20)
- والزهر في البستان مختـلف الألــوان
من أبيـض وأحمــر قـان ولن أخضــر (21)
- والسهل في اخضـرار مختـلف الثمـار
هـواؤه الدفــــاق تحيا به الاعمـاق(22)
فما هي دلالة اللون الأخضر عند الغماري ؟
يحتل اللون الأخضر مكانة متميزة في التراث العربي الاسلامي وله حضور في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي الشريف وفي كتب التراث وقد كثف هذا الحضور اهتمام الشعراء به ليس فقط في الشعر الموجه للأطفال بل وحتى في الشعر الموجه للراشدين وهو ما نلحظه عند الغماري نفسه ففي دواوينه الموجهة للراشدين يحتل اللون الأخضر مكانة رفيعة ويحمل دلالات عميقة لعل أبرزها أنه يرمز عنده للعقيدة الإسلامية(23)
فاللون الأخضر عند الغماري تجسيدا فنيا لكل جميل ورمزا حيا للإسلام والحب والخصب والحياة ووصف الفرحة بالخضرة في الديون يحل كل هذه الدلالات.
لقد وظف شعراء هذا الاتجاه اللون في تشكيل صورهم الشعرية فأضفوا على خطابهم الشعري جمالية خاصة تركت انطباعا جذابا لدى المتلقي الصغير بغض النظر عن التورية التي يستتر خلفها أو المجاز الذي يحوم حولها، وهكذا اتجه هؤلاء " إلى التصوير باللون فأخذوا ينهلون من سحره ويرسلون من جمالياته طاقات تعبيرية يعجز عنها التعبير التقريري المباشر ، ولم تعد الألوان مجرد رموز للحالة النفسية التي تشكلها الصورة الفنية في النص الشعري ، بل صارت ركيزة هامة فمن ركائز التعبير الفني والجمالي في الشعر تنطرح في النص بتوظيف فني رفيع ، يؤكد تنامي الوعي الجمالي وتطور الذائقة الشعرية"(24)
ب- الذوق : ويسميه بعضهم ( الطعم ) وهو عنصر من عناصر الصورة مرتبط بها ، يدخل في تشكيلها خصوصا في الشعر الموجه للأطفال ، حيث يستخدم الشاعر ألفاظا دالة على طعم معين فيشكل بها صورة ذوقية من ذلك لفظة : حلو- مر- عذب – حامض – مالح ...الخ ، وتأتي لفظة حلو ومشتقاتها في طليعة الألفاظ الدالة على الطعوم ولا شك إن استخدامها في النص الشعري الموجه للأطفال يحمل دلالات كثيرة لعل أبرزها أنها توحي بالشيء الجميل الممتع .
وترد هذه اللفظة كثيرا في شعر خضر بدور ففي ديوانه " روضة الأناشيد للأطفال والفتيان " وردت في المقاطع التالية :
- وطني رياض للأطيار ما أحلاه ما أغلاه (25)
- أمي أمي ، نهر الحب ما أبدعها ما أحلاها(26)
- كرتي كرتي ما أحلاها ما اسرعها ما أشقاها (27)
- كلبي كلبي ما أحلاه ما أجمله ما أذكاه(28)
- أختي الصغيرة اسمها ليلى ما ألطفها ما أحلاها (29)
- قطتنا .. يا قطتنا قطتنا الحلوة سارة (30)
- ما أجمل تلك العينين ما أحلى تلك الأذنين (31)
- وارقصي معنا... وغنينا أحلى ..وأرقى .. الألحان(32)
- بلدي .. يا أحلى البلدان بلدي يا أرض الشجعان (33)
- لتعزف أحلى أنغام بحر ساحر عطر (34)
- كم أهواك يا أزهار يا حلوة .. يا رقيقة (35)
- تحلو الحياة بقربك وبشطك يحلو السهر (36)
ج- الشم : ويسميه بعضهم ( الرائحة ) وهو عنصر من عناصر الصورة مرتبطا بها أيضا ويدخل في تشكيلها حيث يستعمل الشاعر ألفاظا دالة على رائحة معينة فيشكل بذلك صورة شمية تساهم في تقريب الصورة إلى ذهن المتلقي، وأكثر الصور الشمية استخداما في الشعر الموجه للأطفال هي تلك الصور الشمية الدالة على روائح طيبة، أما الروائح الخبيثة أو الكريهة أو المنتنة فلم يعرض لها الشعراء ولعل هذا راجع إلى الهدف التربوي التعليمي لهذا الشعر من جهة ومن جهة أخرى إلى رغبة الشعراء في تحسين صورهم وإظهارها في مظهر جميل ، فإذا استخدم الشاعر – وقلما يفعل – صور دالة على روائح كريهة فإنما يريد تحقيق هدف تربوي أيضا .
ومن أمثلة الصور الشمية قول بوزيد حرز الله في قصيدة بعنوان " حلم الأوراس" .
زهورا في رباك اليوم أنمـو إذا هب النسيم تفـوح عطرا
يغار البدر لو أرسلت نوري يداعب في ربوع الحب فجرا(37)
وفي قصيدة " حينا " يقول :
أعيش بين أهله لا أعرف الشقاء
أعيش فيه نسمة فواحة تعطر الأجواء
أعيش فيه نجمة تعانق السماء (38)
وفي قصيدة " لك القلب بلادي " يقول :
هذه الانسام تذكي تغمر الكـون عبـير
فأنتشيـنا وحملنـا لك في العيد الزهور(39)
وفي قصيدة " عطلة نهاية الأسبوع " يقول :
ونرقص في نشـوة ونسيــم يداعـبنا
تلاحقـنا زهـرة تعطر أجـــواءنا
تغني فيصحو الصدى يردد ألحــــاننا (40)
وفي قصيدة " أغنية للأم " يقول :
قبــلة حانية قفـزت من ثغرنا
باقة من حسنها عطرت أجـواءنا (41)
وفي قصيدة " خماسيات الفرح العائد " يقول :
كتبت وقلبي يسبقـني ويرسم نبضاته في السطـور
أبي إننا قد دعونا الربيع لينشر في الدرب عطر الزهور (42)
ومن خلال هذه النماذج يتبين لنا أن الشاعر لا يستخدم إلا الصورة الشمية ذات الرائحة الطيبة فقد ترددت في كل الأمثلة ( تفوح عطرا ، تعطر الأجواء ، تغمر الكون عبير ، تعطر أجواءنا ،عطرت أجواءنا ....الخ ) .
وهو ما نجده أيضا عند الشاعر خضر بدور حيث يكتظ ديوانه " روضة الأناشيد " بالصور الشمية كقوله :
-سماءك أنت عابقة بأنفاس الرياحين
لتعزف احلى أنغام بجو ساحر عطر(43)
-بجمالك زينت الدنيا لونت الأرض ..وعطرت(44)
-عطرك عطرك الفواح ينعش ينعش الأرواح
ميلي ..وارقصي يا أزهار وانشري عطرك وسط الدار(45)
- أجمل العطور وانشر العبيرا (46)
د- الحجم : وهو ما يتصل بانكماش الصورة أو تمددها وقلتها أو وفرتها، وصغرها أو كبرها وغير ذلك مما يحتاجه المعنى ، والمضمون من إطناب أو إيجاز أو مساواة (47) ، وما نلاحظه في الشعر الموجه للأطفال هو ميل الشعراء إلى استخدام الحجوم الصغيرة والأشياء الخفيفة والأشكال القريبة من المتلقي الصغير، خصوصا ما يتصل بعالم الحيوان والألعاب وكل ماله صلة بحياة الطفل وبيئته وعالمه، فالطفل لا يميل إلى الحجوم، لهذا كثر في الشعر الموجه للأطفال استخدام الحجوم الصغيرة، والقصيرة والخفيفة، فمن ديوان الأطفال لمحمد الأخضر السائحي هذه الأمثلة :
-آه لو كنت أطير مثل عصفور صغير (48)
-دراجتي لطيفة سريعة خفيفة(49)
-سيارتي الصغيرة كأنها كبيرة (50)
-أقبلت تعدو خفيفة حلوة الشكل لطيفة (51)
- محفظتي أنيقة خفيفة رشيقة (52)
ومن ديوان " أنغام للطفولة " لخضر بدور هذه الأمثلة :
- قريتي الصغيرة بحسنها أميرة (53)
- لقريتي الصغيرة لمنبع الوفاء (54)
- خيوطها طويلة متينة ملونة (55)
ومن ديوان " روضة الأناشيد " للشاعر نفسه :
-أنا عصفور صغير حيثما شئت أطـير
كيف أبني لي عشا هادئا ..مثلي صغير
ألف شكـر أبويا لكمـا حبي الكبير (56)
-سارة خفة ..ورشاقة سارة جمال ..وأناقة(57)
- أنا أنا ..الفراشــة صديقة الصغــار(58)
-ولك الحقول الشاسعة ولك المروج الواسعة(59)
-أنا كشــاف صغير أحمل العـبء الخطير
أمضي في درب المعالي حـاملا قلبي الكبير (60)
-يا بحر ما ..ما أوسعك يا بحر ما ..ما أروعك(61)
هـ- الحركة :
تعد الحركة من وسائل التجسيد الفني ، ووجودها في الصورة يمنح الشعر الموجه للأطفال حيوية ، ويضفي عليه نوعا من الجاذبية والتشويق ، كما أن الحركة تضفي على المواقف والأفكار أبعادا جديدة ، فيها يثار انتباه الطفل ، لأنه يريد للأشياء أن تتحرك وأن لا تبقى جامدة، فهو ينفعل ويتفاعل مع الصور المتحركة لهذا يرد في الشعر الموجه للأطفال وفي صوره عنصر الحركة المتصل باللعب والنشاط ويكاد يكون هذا العنصر سمة مشتركة بين الشعراء في الأدب الجزائري الموجه للأطفال، وإن كان يظهر بشكل جلي وواضح عند بعضهم، ففي ديوان الأطفال لمحمد الأخضر السائحي صور تموج بالحركة المتصلة بحياة الطفل وبيئته كقوله :
آه لو كنـت أطـير مثل عصفور صغـير
حائما فوق الغصون منشدا أحلى اللحون
هائما حول الشـجر طائرا بين الزهــر(62)
أو قوله :
هيـا نلعب قبل المغرب
أمسك كفي أجر خلفي
أبعد عني أقرب مني(63)
أو قوله واصفا الدراجة :
دراجتي لطيفــة سـريعة خفيفــة
تنساب مثل الحوت تعمـل في سكـوت
أدفعـها برجــلي في الوعر أو في السهل
إذا مشـت تقــر وإن رسـت تخــر
فالسعي فيه البركـة والخير عند الحركـة(64)
فمن خلال هذه النماذج نلاحظ توالي الحركات ممثلة في الألفاظ الدالة عليها (أطير، حائما، هائما، طائرا، أمسك، أجر، أبعد، أقرب، تنساب، مشت، السعي، الحركة...الخ)، وارتباط هذه الحركات بالصورة يضفي عليها نوعا من الجاذبية والتشويق لأن كل شيء يتحرك أو يتغير تكون له قيمة إنتباهية أكثر من الشيء الساكن الذي لا يتغير.
والشيء نفسه نلحظه عند خضر بدور فديوانه " روضة الأناشيد " مليء بالصور الحركية فلا تكاد تخلو قصيدة من حركة تساهم في تشكيل صور النص كقوله :
كـرتي ..كرتي ما أحـلاها
ما أســرعها ما أشقـاها(65)
أو قوله :
كلبي .. كلبي ما أحـلاه
يجري خـلفي إذا أسرعت
يقفـز فـرحا إذا ما شبعا(66)
أو قوله :
نمل يسعى ..يسعى..يسعى يجمـع قوتا يا أطفـال
وخراف تمشي .. تشـدو في بستان ..بين الزهور
وفراشات ترقـص فـرحا بين حقول ..قرب غدير
وحمامات عادت ..عـادت من رحلتها ..نحو الماء (67)
أو قوله :
ليلى تمشي قرب النهر
و بجانبهـا كلب يجري
يجري خلف فراش الحقل
وأن شاهد ضفدع يقفز
يقفز مثله طو الوقت(68)
وهكذا كل قصائد الديوان ، تمور بالحركة وتموج بالنشاط وكل ذلك يساهم في شد المتلقي الصغير إلى النص، وهو ما نجده أيضا عند بوزيد حرز الله كقوله في ديوانه "علمتنني بلادي"
رياح الحب تعزفه رقيقــا فيسري اللحن أنساما وسحرا
دعا أوراس قلبي فاستجاب فكان النبض بركانا ونصرا(69)
أو قوله :
مثل هبات النسيم مثل أنغــام المطر
رافع الرأس أغـني هاهنا اللحن الأغر
يوم صحنا الله أكبر واقتدينا بالرسول(70)
أو قوله :
من ربوع الحب جئنا نملأ الأرض نشيد
رددي أحلى الأغاني ذلك ما كنا نريد
نحن أشبـال أتيـنا نعزف اللحن الأثير
ردد الوادي صـداه صافيا فاق الغدير
رقص الطير بـلادي خلف أنغام الخرير
و- الصوت : ويعد من عناصر تشكيل الصورة الشعرية وهو ما يتعلق بحاسة السمع " وهي أكثر أهمية من حاسة البصر فهي تشتعل ليلا ونهارا ، وفي الظلام ، وفي النور ، في حين أن المرئيات لا يمكن إدراكها إلا في النور، والإنسان يستطيع أن يدرك عن طريق الكلام أفكارا أرقى وأسمى مما قد يدركه بالنظر الذي مهما عبر فتعبيره محدود المعاني غامضها "(71).
والطفل ميال بطبيعته للأصوات التي يحملها الاتصال ، ومن هنا يشكل الشاعر صوره الصوتية عن طريق هذه الأصوات التي ترد في ثنايا النص الشعري فيستعمل أصواتا متنوعة كأصوات الإنسان أو الحيوان أو الطيور أو الطبيعة وحتى الآلات ، وعن طريق الصوت يثير الشاعر "صورا ذهنية من خلال قيام العقل بواحدة أو أكثر من العمليات المعرفية وأبرز قيمة دراسية للصوت هو انه يضع الصورة في تعبيره عن الموقف أو الحالة ، كما أنه صفة تنبيهية .. وقد كانت الموسيقى مثيرا لانفعالات الطفل "(72)
وشاعر الأطفال يستعمل الأصوات في تشكيل الصورة وينوع فيها ، خصوصا تلك الأصوات الصادرة عن الكائنات القريبة من محيط الطفل وبيئته كأصوات الحيوانات والطبيعة فهذا الشاعر خضر بدور يصف فرحة الأطفال برحلتهم الأولى :
ما أجمل رحلتنا الأولى للبحر نسـير أو الجبل
لنغني أحـلى أغانينا ولنرمي أثواب الكسل
عن يا سائقنا معــنا أسمعنا أناشيـد الفجر
فالدنيا فرحة أطفـال ما زالوا في عمر الزهـر(73)
كما يستخدم الشاعر صوت الحيوانات فقي تشكيل صوره كقوله :
نادى خروف هيـا نذهب
يا أصحـابي نحـو الملعب
صاح الديك كوكو.. ريكو
ماء القـط مـومو. مومو
نبح الكلب هوهو.. هوهو
حضر الفيل غـاب الثعلب
سرق الذئب حـذاء الأرنب
طاح الدب بـأرض الملعب (74)
أما في ديوانه الثاني " روضة الأناشيد للأطفال والفتيان " فإنه يستخدم ألفاظا كثيرة دالة على الصوت كلفظة الغناء ويظهر في الأمثلة الآتية :
- وإذا شبعت فهي تغني(75)
- وعصافير تشدو تشدو في بستان ..بين الزهور (76)
- أملأ الدنيا غناء وسرورا ..حبورا (77)
- قلت لها هيا نغني نطت ..هربت للحارة(78)
- واسمع ألحان الأطيار ما أودعك يا خروف (79)
- صوتك عذب يطربنا غني ..غني ..بأمان
-وارقصي معنا ..وغنينا أحلى ..وارقى ..الألحان
غني لحن الحرية بأطيار البرية
زقزقي فرحا يا أطيار عانقي كل الأغصان (80)
- بفنائها ننشد ..وتغني كعصافير فوق تلال
تبقى مدرستي نغما بلسان الأطفال (81)
- تغنى أيها الطفل بأنغام الحساسين
وغرد مثل عصفور لأزهار البساتين
لتعزف أحلى أنغام بجو ساحر عطر
ويشدو الطير ألحانا بحب الزهر ، والشجر (82)
-بقدومك أرقص زاهية وأغني أجمل ألحاني(83)
من خلال العرض السابق يتبين لنا أن إستنثمار الحواس وتوظيفها في تشكيل الصورة الشعرية من أساسيات شعر الأطفال فيغدوا اللون بدلالاته والذوق والشم بإيحاءاتهما والحجم والحركة الصوت والقيم التعبيرية التي تحملها ، تغذوا كلها مادة خام في بناء الصورة الشعرية ووسيلة هامة في التشكيل الفني ووجودها يمنح الشعر الموجه للأطفال حيوية ويضفي عليها نوعا من الجاذبية والتشويق .
الإحالات
(1) ينظر علي صبح، البناء الفني للصورة الأدبية عند ابن الرومي المكتبة الأزهرية للتراث ، القاهرة ، ط2، 1996، ص260.
(2) المرجع نفسه ، ص273.
(3) جهاد عقيل " ألوان مكتوبة " مجلة الموقف الأدبي ، يصدرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق سورية ، العدد 362 ، سنة 2001، ص14 .
(4) المرجع نفسه ، ص15.
(5) هادي نعمان الهيتي ، ثقافة الأطفال، سلسلة عالم المعرفة رقم 123 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، مارس 1988 ، ص119.
(6) شاكر عبد الحميد ، التفضيل الجمالي ، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني ، سلسلة عالم المعرفة رقم 267 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت مارس 2001 ، ص231.
(7) بوزيد حرز الله ،علمتني بلادي،أناشيد وقصائد للناشئة ، إتحاد الكتاب الجزائريين 2003 ،ص13.
(8) المصدر نفسه ص15.
(9) المصدر السابق ص37.
(10) خضر بدور ، روضة الأناشيد للأطفال والفتيان، دار المستقبل ، دمشق ، (د ت ) ، ص04.
(11) المصدر نفسه ، ص11.
(12)خضر بدور ، روضة الأناشيد للأطفال والفتيان ، ص13.
(13) المصدر نفسه ، ص15.
(14) المصدر نفسه ، ص28.
(15) المصدر نفسه ، ص33.
(16) المصدر السابق ، ص34.
(17) هادي نعمان الهيتي ، ثقافة الأطفال ، ص116.
(18) ينظر أحد نجيب ، فن الكتابة للأطفال ، دار اقرأ، بيروت ، ط3 ، 1986 ، ص39.
(19) مصطفى محمد الغماري، الفرحة الخضراء ، سلسلة شموع، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر،1983،ص07.
(20) المصدر نفسه ، ص16.
(21)مصطفى محمد الغماري، الفرحة الخضراء ، ص19.
(22) المصدر نفسه ، ص37.
(23) ينظر على سبيل المثال ديوانه " خضراء تشرق من طهران ، وينظر أيضا " الغماري شاعر العقيدة الاسلامية لشتلتاغ عبود شراد .
(24) حسن عبد المحسن " شعر التفعيلة في الميزان " مجلة الموقف الأدبي منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، العدد 373 سنة ، 2002 ، ص70.
(25)خضر بدور ، روضة الأناشيد للأطفال والفتيان ، ص05 .
(26) المصدر نفسه ، ص06.
(27) المصدر نفسه، ص07.
(28) المصدر نفسه، ص08.
(29) المصدر نفسه ، ص09.
(30) المصدر نفسه ، ص15.
(31) المصدر نفسه ، ص17.
(32) المصدر نفسه ، ص19.
(33) المصدر نفسه ، ص26.
(34) المصدر نفسه ، ص27.
(35) المصدر نفسه، ص29.
(36) المصدر السابق ، ص30.
(37) بو زيد حرز الله ، علمتني بلادي ، ص05.
(38) المصدر نفسه ، ص53.
(39) المصدر نفسه ، ص57.
(40)بو زيد حرز الله ، علمتني بلادي ، ص65.
(41) المصدر نفسه ، ص71.
(42) المصدر نفسه ، ص75.
(43) خضر بدور ، روضة الأناشيد ، ص27.
(44) المصدر نفسه ، ص28.
(45) المصدر نفسه ، ص29.
(46) المصدر نفسه، ص33.
(47) ينظر علي صبح ، البناء الفني للصورة الأدبية عند ابن الرومي، المكتبة الأزهرية للتراث ، القاهرة ، ط2، 1996،ص260.
(48) محمد الأخضر السائحي ، ديوان الأطفال، المكتب الخضراء ، الجزائر 2000 ، ص09.
(49) المصدر نفسه ، ص17.
(50) المصدر نفسه ، ص18.
(51) المصدر نفسه ، ص29.
(52) المصدر نفسه ، ص33.
(53) خضر بدور ، أنغام للطفولة ، دون ترقيم
(54) المصدر نفسه ، دون ترقيم
(55) المصدر نفسه ، دون ترقيم
(56) هضر بدور ، روضة الأناشيد ، ص14.
(57) المصدر نفسه ، ص15.
(58) المصدر نفسه ، ص16.
(59) المصدر نفسه، ص18.
(60) المصدر نفسه ، ص24.
(61) الصدر نفسه ،ص30.
(62) محمد الأخضر السائحي ، ديوان الأطفال ، ص09.
(63) المصدر السابق ، ص14.
(64) المصدر السابق ، ص17.
(65) خضر بدور ، روضة الأناشيد، ص07 .
(66) الصدر السابق ، ص08 .
(67) المصدر السابق ، 10 .
(68) المصدر السابق ، ص 11 .
(69) بوزيد حرز الله ، علمتني بلادي ، ص05 .
(70) المصدر السابق ، ص09 .
(71) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية ،الأنجلو المصرية، القاهرة ، ط4، 1971، ص15.
(72) هادي ، نعمان الهيتي ، ثقافة الأطفال، ص118.
(73) خضر بدور ،أنغام للطفولة، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1992 ، دون ترقيم
(74) المصدر نفسه ، دون ترقيم .
(75) خضر بدور ، روضة الأناشيد ،ص09.
(76) المصدر نفسه ، ص10.
(77) المصدر نفسه ، ص14.
(78) المصدر نفسه ، ص15.
(79) المصدر نفسه ، ص17.
(80)خضر بدور ، روضة الأناشيد ، ص19.
(81) المصدر نفسه ، ص25.
(82) المصدر نفسه ، ص27.
(83) المصدر نفسه ، ص28.